علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

277

شرح جمل الزجاجي

فمنهم من جعلها مما يتعدّى إلى اثنين ك " ظننت " ، وحجته أنّ " سمعت " لما دخلت على ما لا يسمع أتيت لها بمفعول ثان يعطي معنى المسموع ، كما أن " ظننت " لما دخلت على " زيد " ، وهو غير مظنون في المعنى ، أتيت بعد ذلك بمفعول ثان يعطي معنى المظنون ، فقلت : " ظننت زيدا منطلقا " . على هذا يكون " يتكلّم " من قولك : " سمعت زيدا يتكلّم " في موضع مفعول ثان ل " سمعت " . ومنهم من جعلها متعدية إلى مفعول واحد ، فإذا قلت : " سمعت زيدا يتكلّم " ، فإنّ " زيدا " مفعول ل " سمعت " ، على تقدير حذف مضاف ، كأنّك قلت : " سمعت صوت زيد يتكلّم " ، ويكون في موضع الحال ، أي : سمعت صوت زيد في حال أنّ زيدا يتكلّم ، وتكون هذه الحال مبينة ، لأنّه قد سمع صوته في حال أنّه يصيح أو يقرأ أو غير ذلك ، ويكون حذف المضاف لفهم المعنى إذ معلوم أن زيدا في نفسه لا يسمع ، فيكون نحو قوله تعالى : هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 1 ) . ألا ترى أنّ المعنى ، هل يسمعون دعاءكم ؟ فحذف الدعاء لدلالة قوله : " إذ تدعون " عليه . وهذا المذهب أولى ، لأنّ " سمع " من أفعال الحواس ، وهي كلّها متعدّية إلى مفعول واحد ، تقول : " ذقت طعامك " ، و " شممت طيبا " ، و " لمست حريرا " ، و " أبصرت زيدا " ، فينبغي أن تكون " سمعت " مثلها . وأيضا فإنّها لو كانت مما يتعدّى إلى مفعولين ، لم تخل أن تكون من باب " أعطيت " ، أو من باب " ظننت " ، فباطل أن تكون من باب " أعطيت " لأنّ " يتكلم " فعل والفعل لا يكون في موضع المفعول الثاني من باب " أعطيت " وأمثاله . وباطل أن يكون من باب " ظننت " ، لأنّ " ظننت " وأخواتها يجوز إلغاؤها ولا يجوز إلغاء " سمعت " ، وأيضا تقول : " سمعت زيدا " ، ولا يجوز ذلك في باب " ظننت " ، فثبت أنّها مما يتعدّى إلى واحد ، فأمّا قوله [ من الوافر ] : ( 199 ) - سمعت الناس ينتجعون غيثا * فقلت لصيدح انتجعي بلالا

--> ( 1 ) الشعراء : 72 . ( 199 ) - التخريج : البيت لذي الرّمة في ديوانه ص 1535 ؛ وجمهرة اللغة ص 503 ؛ وخزانة الأدب 9 / 167 ، 168 ؛ وسرّ صناعة الإعراب 1 / 232 ؛ وشرح التصريح 2 / 282 ؛ ولسان العرب 2 / 509 ( صدح ) ، 8 / 347 ( نجع ) ؛ والمقتضب 4 / 10 ؛ ونوادر أبي زيد ص 32 ؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص 390 ؛ وخزانة الأدب 9 / 268 ، 393 .